الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
19
نفحات الولاية
وتفسير العبارة : « أَمّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ » واضح ، فالإمام عليه السلام لا يكاد يذكر البتول حتى تتجدد أحزانه وآلامه وهو الحزن الذي خيم على جميع تفاصيل حياة الإمام علي عليه السلام . والعبارة : « وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ » كناية عن أنّي أعيش أغلب الليالي على ذكر تلك الصديقة الطاهرة ، وأنّ ذكرها ليسلب من عينيَّ النعاس ، وخير شاهد على ذلك الأشعار التي أنشدها بعد فراق فاطمة الزهراء عليها السلام : نَفْسي عَلى زَفَراتِها مَحْبُوسَةٌ * يا لَيْتَها خَرَجَتْ مَعَ الزَّفَراتِ لا خَيْرَ بَعْدَكَ فِي الْحَياةِ وَإِنَّما * أَبْكي مَخافَةَ أَنْ تَطُولَ حَياتي « 1 » آنذاك أشار الإمام عليه السلام إلى جانب من مصائب فاطمة الزهراء عليها السلام المفجعة فقال : « وَسَتُنَبِّئُك ابْنَتُك بتَضَافُرِ أُمَّتِك عَلَى هَضْمِهَا ، فَأَحْفِهَا « 2 » السُّؤَالَ ، وَاسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ ؛ هذَا وَلَمْ يَطُلِ الْعَهْدُ ، وَلَمْ يَخْلُ مِنْك الذِّكْرُ » . الظاهر أنّ هذه العبارات المقتضبة من أمير المؤمنين علي عليه السلام بغية رعاية الأدب عند قبر النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله فلا يخوض فيها ولا يشرحها ، والتي تشير إلى الأحداث المأساوية التي أعقبت رحيل النّبي ؛ من قبيل الهجوم على بيت الصديقة الطاهرة فاطمة الزهرا عليها السلام ، وإضرام النار في البيت ، وإسقاط جنينها المحسن وحمل الإمام علي عليه السلام إلى المسجد بالقوّة من أجل البيعة وهذا ما سنتناوله في ختام هذا البحث ، وهي الأحداث التي لم ترد بصيغة مركزة في مصادر الإماميّة والعجيب أنّها ذكرت صراحة في مصادر العامّة . والمفردة « تضافر » من مادة « ضفر » ( على وزن ضعف ) تعني التعاون والتعاضد للقيام بعمل ، إشارة إلى أنّ فئة من الامّة كانت شريكة في ارتكاب تلك الجرائم ، ولما كان الأعم الأغلب قد لاذ بالصمت الذي يعني تأييد ذلك الفعل نسب إلى جميع
--> ( 1 ) . بحارالأنوار ، ج 43 ، ص 213 ، ح 44 . ( 2 ) . « أحفها » من مادة « الإحفاء » بمعنى الإصرار في السؤال والاستخبار .